كمال الدين دميري

137

حياة الحيوان الكبرى

فقال : من أنتم ؟ قالوا : متوكلون ، قال : كذبتم إنما المتوكلون رجل ألقى حبه في التراب ، وتوكل على رب الأرباب . وبهذا أفتى بعض فقهاء بيت المقدس قديما . وقال الإمامان الرافعي والنووي ، في تفضيل بعض الأكساب على بعض ، واحتج من فضل الزراعة ، بأنها أقرب إلى التوكل ، وفي الشعب أيضا عن عمرو بن أمية الضمري ، أنه قال : قلت : يا رسول اللَّه أرسل ناقتي وأتوكل ؟ قال صلى اللَّه عليه وسلم : « إعقلها وتوكل » « 1 » وسيأتي إن شاء اللَّه تعالى ، هذا في أول باب النون . وقال الحليمي : يستحب لكل من ألقى في الأرض بذرا أن يقرأ بعد الاستعاذة * ( أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ ) * « 2 » الآية . ثم يقول : بل اللَّه الزارع والمنبت والمبلغ ، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، وارزقنا ثمره ، وجنبنا ضرره ، واجعلنا لأنعمك من الشاكرين . وقال أبو ثور : سمعت الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه يقول : نزه اللَّه نبيه صلى اللَّه عليه وسلم ، ورفع قدره ، فقال : * ( وتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ ) * « 3 » وذلك أن الناس في التوكل ، على أحوال شتى : متوكل على نفسه ، أو على ماله ، أو على جاهه ، أو على سلطانه ، أو على صناعته ، أو على غلته ، أو على الناس . وكل مستند إلى حي يموت ، أو إلى ذاهب يوشك أن ينقطع ، فنزه اللَّه تعالى نبيه صلى اللَّه عليه وسلم عن ذلك ، وأمره أن يتوكل على الحي الذي لا يموت . وقال الإمام العلامة ، شيخ الشريعة والحقيقة ، أبو طالب المكي ، في كتابه قوت القلوب : اعلم أن العلماء باللَّه تعالى لم يتوكلوا عليه لأجل أن يحفظ عليهم دنياهم ، ولا لأجل تبليغهم رضاهم ومرادهم ، ولم يشترطوا عليه حسن القضاء بما يحبون ، ولا ليبدل لهم جريان أحكامه عما يكرهون ، ولا ليغير لهم سابق مشيئته إلى ما يعقلون ، ولا ليحول عنهم سنته التي قد خلت في عباده ، من الابتلاء والامتحان والاختبار ، بل هو جل وعلا أجل في قلوبهم من ذلك ، وهم أعقل عنه وأعرف به من هذا ، فلو اعتقد عارف باللَّه أحد هذه المعاني مع اللَّه في توكله ، لكان عليه كبيرة توجب عليه التوبة ، وكان توكله معصية ، وإنما أخذوا أنفسهم بالصبر على أحكامه كيف جرت وطالبوا قلوبهم بالرضا كيف أجرى . فائدة : عن كعب الأحبار ، قال : إن الطير ترتفع اثني عشر ميلا ، ولا ترتفع فوق هذا ، وفوق الجو السكاك . والجو هو الهواء بين السماء والأرض . التعبير : الطائر في المنام رزق لمن حواه لقول الشاعر : وما الرزق إلا طائر أعجب الورى فمدت له من كل فن حبائل وسعادة ورياسة ، وقيل : الطيور السود تدل على السيئات ، والطيور البيض تدل على الحسنات . ومن رأى طيورا تنزل على مكان وترتفع ، فإنها ملائكة ورؤية ما يستأنس بالإنسان من الطيور دليل على لأزواج والأولاد ، ورؤية ما لا يأنس بالآدمي من الطير دليل على معاشرة الأضداد والأعجام . ورؤية الكاسر من الطير في المنام شر ونكد ومغارم ، ورؤية الجارح المعلم عز وسلطان وفوائد وأرزاق . ورؤية المأكول لحمه فائدة سهلة ، ورؤية ذوي الأصوات قوم صالحون ، ورؤية المذكر رجال ، والمؤنث نساء ، ورؤية المجهول من الطير قوم غرباء ، ورؤية ما فيه خير وشر

--> « 1 » جمهرة الأمثال : 2 / 42 . « 2 » سورة الواقعة : آية 63 . « 3 » سورة الفرقان : آية 58 .